لاهاي، هولندا — غالبًا ما يُنظر إلى الانتماء إلى الوطن بوصفه حقًا يُورَث، أو استحقاقًا يُكتسب ويحتاج إلى إثبات وفق شروط قانونية ومعايير ثقافية محددة. ومن هذا المنطلق، تقدّم المكتب البهائي للشؤون العامة في هولندا بمبادرة تقوم على رؤية مغايرة تمامًا، مفادها أن لكل إنسان دورًا للمساهمة في صياغة المستقبل المشترك للمجتمع.
لا تسعى هذه المبادرة، التي تحمل عنوان ”أمواج بحر واحد“، إلى الفصل في مَن يُعدّ هولنديًا ومَن يُستبعد من هذا الانتماء. وبدلًا من ذلك، تعيد صياغة مفهوم الانتماء وتوجيهه من نطاق تعريف خِلافي وجدلي للهوية إلى أُفق القدرة المشتركة على المساهمة، طارحةً سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن لكل فرد، مهما كانت خلفيته، أن يشارك في تحقيق الازدهار الحقيقي للمجتمع، وأن يعزّز من خلال هذه المساهمة حسَّ الانتماء إليه؟
انبثق هذا المسعى من حوارات متعددة تناولت مواضيع التمييز والهوية والتماسك الاجتماعي، وأُجريت بالتعاون مع طيف متنوع من الفاعلين الاجتماعيين والمنسق الوطني لمكافحة التمييز والعنصرية في هولندا. وأفضت هذه الحوارات إلى سلسلة من الموائد المستديرة التي شارك فيها مئات السكان من مختلف أنحاء البلاد، وبرز فيها مرارًا وتكرارًا سؤال محوري: مَن الذي يُعدّ هولنديًا؟
في هذا الصدد، أوضحت كيمبرلي تروين، إحدى المتعاونات مع مكتب الشؤون العامة قائلة: ”إن محاولات الإجابة عن هذا السؤال من خلال تحديد سمات الهوية الهولندية تؤدي لا محالة إلى تقسيم الناس إلى جماعة داخلية وأخرى خارجية.“
وأردفت السيدة تروين: ”ليس المجتمع ملكًا لجماعةٍ مُضيفة، يُطلب ممّن سواها أن يجدوا لأنفسهم مكانًا فيه“. وأشارت إلى أن ”مبدأ وحدة العالم الإنساني يؤسّس لرؤية مغايرة“، مُستحضرةً تشبيهًا من التعاليم البهائية مفاده أن ”الإنسانية أشبه بجسد واحد، ولكل عضو وجزء فيه قدرات لا غنى عنها لرفاه الكل وخيره. ومن ثم، فإن الوحدة في التنوع لا تقتضي الانصهار والتماثل الثقافي، بل المشاركة الفاعلة للجميع“.
يفتح هذا التصور آفاقًا أرحب أمام المفهوم السائد للمشاركة المجتمعية، الذي غالبًا ما يُقاس أساسًا بمدى الانخراط في النشاط الاقتصادي. وقد استشهد المشاركون بأمثلة حيّة، كالأمهات اللاتي لا ينخرطن في سوق العمل الرسمي، لكنهن يسهمن في تعزيز نسيج الحياة المجتمعية في أحيائهن، من خلال الرعاية المتبادلة للأطفال، وتوطيد الأواصر بين الأسر، ومدّ جسور التآلف بين الجيران.
في هذا السياق، عبّر أحد المشاركين من أمستردام عن هذه الفكرة قائلًا: ”عندما تتمكّن من المساهمة وتملك الرغبة في ذلك، تشعر بأن لك مكانًا تنتمي إليه، ويضفي ذلك معنى على حياتك“.
سلّطت الحوارات الضوء على العقبات اليومية التي قد تحول دون المشاركة الكاملة للأفراد في مختلف ميادين الحياة، من المدارس وأماكن العمل إلى المتاجر والملاعب الرياضية ووسائل التواصل الاجتماعي والمؤسسات العامة. ففي إحدى المدارس الواقعة في منطقة ريفية، كان المشاركون يعتقدون في بادئ الأمر أن التمييز لا يشكل قضية بارزة في محيطهم، غير أنه مع تقدّم المحادثات، تكشّفت لهم تدريجيًا عوائق غير ظاهرة للعيان يواجهها أفراد في أحيائهم، مما دفعهم إلى التفكير في سبل معالجتها.
من وجهة نظر المكتب، فإن معالجة هذه العقبات تقتضي التغيير على ثلاثة مستويات مترابطة و متضافرة تشمل: الفرد، والمجتمع المحلي، والمؤسسات.
بدورها، أوضحت شيرين فرج، وهي عضوة في المكتب، قائلة: ”تساهم المؤسسات في تشكيل الرأي العام، وحين لا تستند أُطُر عملها إلى مبدأ وحدة العالم الإنساني، فإنّ الانقسامات المبنية على ثنائية ”نحن“ و”هم“ ستظل قائمة“.
وأردفت السيدة فرج مبيّنة: ”يرتبط الأمر بصورة وثيقة بمدى استعداد المؤسسات لإرساء بيئة توحّد الناس، ونقل الرؤى والبصائر المولّدة في الأحياء والمجتمعات المحلية إلى دوائر صنع السياسات الوطنية، دون سلب المجتمعات فرصة تعلّم تولّي شؤونها بنفسها.“
كما لفت المكتب النظر إلى أن أي مقاربة ترمي إلى إدماج جميع الفئات وإشراكها ستظل قاصرة ما لم تُولِ أيضًا اهتمامًا بالخصال التي تُمكّن الناس من العيش معًا في وئام، وفي مقدمتها الصبر والتفاني والقدرة على النظر إلى بعضهم بعضًا بعين المساواة.
وأكّدت السيدة فرج في هذا السياق أنّ ”هذه الخصال هي التي ترتقي بالمجتمع من مجرّد التسامح إلى آفاق المحبّة الخالصة والقبول المتبادل.“
أبدى الشباب استعدادًا لافتًا لترجمة الأفكار المستخلصة من المحادثات إلى مبادرات عمليّة. ففي مدينة ويرت، اقترح المشاركون الشباب تنظيم فعاليات يروي فيها الأهالي سِيَر حياتهم لبعضهم البعض. وفي أوتريخت، بدأت تتبلور خطط لعقد منتديات أحياء لاستقبال الوافدين الجدد إلى البلاد. وبالمثل، في إحدى مدارس تعليم اللغة الهولندية لليافعين من سن السادسة عشرة والسابعة عشرة، أبدى المشاركون حماسًا لنقل هذه التجربة وتطبيقها داخل أحيائهم.
لمس نسيم، وهو شاب منخرط في الجهود البهائية لبناء المجتمع، كيف تُسهم الخدمة المجتمعية إلى جانب الآخرين في نسج علاقات ودية منسجمة بين شباب قد لا تتيح لهم ظروفهم المعتادة أن يقضوا وقتًا معًا. وأوضح أنه من خلال العمل معًا ومناقشة الأسئلة والمواضيع الهادفة، تتبدّد العوائق الناتجة عن الاختلافات، وتنشأ صداقات حقيقية.
بناءً على ذلك، أوضح نسيم قائلًا: ”كلما نجحنا في مد جسور التواصل بين أعداد أكبر من الناس، قلَّ عدد الأشخاص الذين نُقصيهم.“
تجلّى الأمل العميق الكامن في نفوس المساهمين في هذا المسعى في عبارة ملهمة لأحد المشاركين من فيرت، في الرابعة عشرة من العمر، جاء فيها: ”جيل جديد يرسي معيارًا جديدًا“.
وفي ضوء ما سبق، يتطلّع المكتب إلى توسيع نطاق هذا الحوار المستمر ليشمل مزيدًا من الأحياء خلال العام المقبل. وسيجري استكشاف التجارب المنبثقة من هذه المحادثات بشكل أعمق من خلال إصدار، وعدد من حلقات البودكاست، بالإضافة لمبادرات فنية متنوعة.