نيويورك — أدان قرارٌ جديدٌ اعتمدته اللجنةُ الثالثةُ التابعةُ للجمعية العامة للأمم المتحدة، إدانةً شديدةً، سجلّ الحكومة الإيرانية في مجال حقوق الإنسان، مسلّطًا الضوء مجددًا على أوضاع الأقليات الدينية على الصعيد العالمي، ولا سيما المجتمع البهائي، أكبر الأقليات غير المسلمة في إيران.
وقد أُقرّ القرار بتسعةٍ وسبعين صوتًا، بزيادة صوتين عن العام السابق، مبرزًا ما وصفه بـ"استمرار التزايد في الآثار التراكمية لاضطهادٍ طويل الأمد" يطال طيفًا واسعًا من الأقليات الدينية، المعترف بها وغير المعترف بها. وأشار، "على وجه الخصوص، إلى البهائيين"، إلى جانب المسيحيين، والدراويش الغناباديين، واليهود، والمسلمين الصوفيين والسنة، واليارسانيين، والزردشتيين. ويُفيد القرار بأن هذه الفئات تتعرض لهجماتٍ متصاعدةٍ ومضايقاتٍ واستهدافٍ مباشر، مع كون النساء والفتيات ضمن هذه الأقليات "أكثر عرضةً للخطر".
وقالت باني دوغال، الممثّلة الرّئيسة للجامعة البهائيّة العالميّة لدى الأمم المتّحدة: "إنّنا نقدّر أنّ اللّجنة الثّالثة التّابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة قد جدّدت، مرّةً أخرى، إدانتها لإيران بسبب اضطهادها المنهجيّ للبهائيّين على مدى ما يقرب من خمسين عاماً." وأضافت: "إنّ إبراز الأثر التّراكميّ لأكثر من أربعة عقودٍ من الاضطهاد يعدّ من أبرز ما يميّز هذا القرار، كما أنّ إدراك المجتمع الدّوليّ للكلفة الإنسانيّة الباهظة للسّياسات القمعيّة التي تنتهجها الحكومة الإيرانية أمرٌ لا غنى عنه."
وأضافت قائلةً: "ما زلنا نأمل أن تستجيب إيران للدّعوة إلى صون حقوق جميع مواطنيها، بمن فيهم أفراد المجتمع البهائيّ، الّذين طال أمد معاناتهم."
وينتقد القرار الحكومة الإيرانيّة بسبب القمع المنهجيّ القائم على الهويّة الدّينيّة، مشيراً إلى تقارير عن حالات إخفاء قسري، واعتقالات تعسفية دون إجراءات قانونية سليمة، وأحكام سجن قاسية وغير متناسبة. كما يوثّق مصادرة الممتلكات، وتدمير المنازل والأعمال، واعتقال شخصيات بارزة وكبار في السن من أبناء المجتمع. وقد دعت الجمعية العامة، في اعتمادها لهذا القرار، مرّةً أخرى الحكومة الإيرانية إلى وضع حدٍّ لهذه الممارسات، و"الكفّ عن مراقبة الأفراد بسبب هويّتهم الدّينيّة، والإفراج عن جميع الممارسين الدّينيّين المسجونين بسبب انتمائهم إلى جماعاتٍ دينيّةٍ أقلّيّةٍ أو نشاطهم في إطارها، [و] وقف تدنيس المقابر."
وقبيل التصويت، صرّحت بعثة البرازيل قائلةً: "نجدّد دعمنا لحقوق جميع الأقليات الدينية، بما في ذلك البهائيون، في ممارسة معتقداتهم بحرية ومن دون أي تمييز". كما أفادت بعثة المملكة المتحدة: "لا نزال نشعر بقلق بالغ إزاء ما تمارسه إيران من قمع لحرية الدين والمعتقد... وقد صعّدت وسائل إعلام مرتبطة بالدولة من خطاب التهييج والتحريض ضد الأقليات الدينية، ولا سيما البهائيين"، إلى جانب المسيحيين. وأضافت: "إننا نقف إلى جانب حق هذه المجتمعات في ممارسة معتقداتها بحرية ومن دون تدخل من الدولة"
ويشكّل قانون العقوبات الإيراني محورًا أساسيًا في القرار، ولا سيما المادتان 499 مكرّر و500 مكرّر، اللتان تجرّمان التعبير الديني غير الإسلامي. وكان القرار الصادر في العام الماضي قد سلّط الضوء أيضًا على هاتين المادتين، بوصفهما مثالًا على استمرار المخاوف المتأصّلة لدى الجمعية العامة بشأن أوضاع حقوق الإنسان، ولا سيما في ما يتعلّق بموقف الحكومة الإيرانية من الأقليات الدينية.
ويفيد القرار بأن استمرار تطبيق هاتين المادتين "قد أدّى إلى تصعيدٍ ملحوظٍ في التمييز والعنف"، إذ أتاح للسلطات اعتقال البهائيين وغيرهم من الأقليات استنادًا إلى تهمٍ تفتقر إلى أساس. وقد تزامن ذلك مع تزايد القيود الاقتصادية، من خلال "إغلاق الأنشطة التجارية، أو تدميرها أو مصادرتها، ومصادرة الأراضي والممتلكات، وإلغاء التراخيص، والحرمان من فرص العمل في بعض القطاعات العامة والخاصّة".
ويدعو القرار إيران إلى "إزالة جميع أشكال التمييز، في القانون والممارسة، على أساس الفكر أو الضمير أو الدين أو المعتقد، بما في ذلك القيود الاقتصادية، مثل إغلاق الأنشطة التجارية أو تدميرها أو مصادرتها، ومصادرة الأراضي والممتلكات، وإلغاء التراخيص، والحرمان من العمل في بعض القطاعات العامة والخاصّة، بما في ذلك المناصب الحكومية أو العسكرية أو المنتخبة، وكذلك الحرمان من التعليم أو تقييد الوصول إليه، بما يشمل أفراد المجتمع البهائي وغيره من الأقليات الدينية، فضلًا عن سائر الانتهاكات أو التجاوزات التي تمسّ حقوق الإنسان لهذه الأقليات، سواء المعترف بها أو غير المعترف بها".
وتأتي هذه المضامين استجابةً لسنواتٍ من الإجراءات القمعية ضد البهائيين، بما في ذلك الإقصاء المنهجي لطلبتهم من الجامعات والمسارات المهنية، ومحاولات عرقلة تقدّم المجتمع وتطوّره.
وقد عزّزت أحداثٌ حديثة في إيران هذه المخاوف. ففي شهر أكتوبر، حُكم على عشر نساءٍ بهائيات في أصفهان بعقوبات سجنٍ بلغ مجموعها تسعين عاماً، بسبب تنظيم أنشطةٍ تعليمية وثقافية. كما أصدر خبراء مستقلّون في الأمم المتّحدة، في أواخر عام 2024، بياناً مشتركاً يدين المداهمات المستمرّة للمنازل، وفرض حظر السّفر، والأحكام المطوّلة المفروضة على النّساء البهائيّات، واصفين هذه الإجراءات بأنّها نمطٌ مستمر من التّمييز المستهدف.
كما وثّقت تقارير متوازية صادرة عن منظمات حقوق الإنسان — بما في ذلك مركز عبد الرحمن برومندومنظمة هيومن رايتس ووتش نطاق الانتهاكات الّتي يتعرض لها المجتمع البهائي من قبل الحكومة الإيرانية، بدءاً من الإعدامات والسّجن، وصولاً إلى الإقصاء الاقتصادي والثقافي والتعليمي. وقد وصفت منظمة هيومن رايتس ووتش الحملة الممتدّة على مدى خمسةٍ وأربعين عاماً ضد البهائيّين بأنها ترقى إلى جريمة ضد الإنسانيّة تتمثّل في الاضطهاد.
ويختتم القرار بالدعوة إلى أن تفي إيران بالتزاماتها بموجب القانون الدولي، بما في ذلك ضمان الحقّ في "حريّة الفكر والضّمير والدّين أو المعتقد" لجميع مواطنيها. كما يؤكد أن الوضع الذي يواجهه البهائيون وغيرهم من الأقليات ليس حالةً معزولة، بل هو جزء من نمط أوسع من القمع يؤثر في المجتمع بأسره.
ويضيف هذا القرار الأخير الصّادر عن الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة مزيداً من الضّغط على إيران لاتّخاذ إصلاحاتٍ ذات مغزى، ووقف الانتهاكات المنهجيّة الموثّقة على مدى عقود. ومن المقرّر إجراء تصويت عامّ على القرار في شهر ديسمبر.